تتزايد تساؤلات متابعو الرجاء الرياضي المغربي حول فقدان الفريق لملامح هويته الكروية الأصيلة التي ميزته لعقود. فقد أصبحت عروض الفريق خلال الموسم الحالي تثير قلقاً بشأن مستوى الأداء العام، ودقة الاختيارات الفنية، وغياب الروح التي لطالما ارتبطت بـ”الخضر” كمرادف للمهارة، والمتعة الكروية، وصناعة المواهب في الساحة الكروية المغربية.
لم يعد الأداء الحالي للرجاء يشبه ذلك الفريق الذي كان يفرض شخصيته على الملعب، ويقدم كرة ممتعة، ويمنح جماهيره أسباباً إضافية للفخر، حتى في ظل الأزمات المالية والإدارية. فالتاريخ الرجاوي لم يُصنع بالألقاب فقط، بل بالهوية الفنية الفريدة التي ارتكزت على الجرأة، والمهارات الفردية، والقدرة على إبراز لاعبين محددي التأثير.
يجد المتابع الرياضي نفسه أمام مفارقة ملفتة؛ إذ أصبح التعرف على أسماء معظم لاعبي التركيبة الحالية للرجاء أمراً صعباً على جمهور اعتاد معرفة لاعبيه وتتبع مسيراتهم. ورغم أن هذا الانطباع قد لا يكون حكماً فنياً نهائياً، إلا أنه يعكس حجم التساؤلات المحيطة بهوية النادي الراهنة.
تساؤلات حول الهوية والكفاءة
المشكلة لا تكمن في تعثر مفاجئ أو تراجع مؤقت في النتائج، بل تتجاوز ذلك لتطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الفريق على الحفاظ على شخصيته الكروية في ظل التحولات التي يشهدها. فالرجاء لم يكن مجرد فريق يسعى للفوز، بل مؤسسة رياضية عُرفت بالتكوين، واكتشاف المواهب، واللعب الهجومي، وصناعة الفرجة التي جعلت جماهيره تطالب بما هو أبعد من مجرد نتيجة إيجابية.
من المدرسة إلى المجهول؟
ما يزيد من حدة النقاش هو أن الرجاء اعتمد في فترات سابقة على شبابه ورصيده الكروي لمواجهة الصعوبات، مستفيداً من مدرسة كروية غنية بالمهارة والجرأة والثقة. أما اليوم، فترتكز التساؤلات على مدى توفر هذه المقومات في الاختيارات الحالية، وقدرة المجموعة على استعادة الانسجام والروح المميزة للفريق.
فلسفة الانتدابات تحت المجهر
من غير الإنصاف إصدار أحكام عامة على اللاعبين الحاليين أو اعتبار كل تعثر دليلاً على غياب الجودة. لكن من حق الجماهير والمتابعين التساؤل عن فلسفة الانتدابات، ومعايير اختيار اللاعبين، ومدى توافقهم مع خصوصية الرجاء وتاريخه. فالانتداب الناجح هو الذي يضيف قيمة فنية ويدمج اللاعب في مشروع واضح.
المسؤولية المتكاملة لاستعادة الهوية
لا يمكن استعادة هوية الرجاء بتغيير الأسماء فقط، أو تحميل المسؤولية لمدرب أو لاعب بعينه. إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من وضوح الرؤية الإدارية، مروراً بالتكوين والانتدابات والتدبير الفني، وصولاً إلى بناء فريق يمتلك شخصية تنافسية ثابتة ويعرف هدفه داخل الملعب.
قطبا الدار البيضاء وأثرهما على الكرة المغربية
لا ينفصل هذا النقاش عن الوضع الذي يعيشه الوداد الرياضي أيضاً، وما يحيط بمستوى قطبي العاصمة الاقتصادية ودورهما في البطولة. فتراجع بريق أحدهما أو مواجهته صعوبات يؤثر على صورة كرة القدم المغربية ككل، التي استفادت تاريخياً من قوة هذا التنافس وإشعاعه الجماهيري.
مرحلة تحتاج للمراجعة
الرجاء الرياضي أكبر من مرحلة عابرة، وتاريخه لا يمكن أن تمحوه نتائج موسم واحد أو اختيارات لم ترقَ للتوقعات. لكن قيمة الأندية الكبيرة تكمن في قدرتها على الاعتراف بالخلل وتصحيحه، بدلاً من الاكتفاء بحنين الأمجاد الماضية أو الاعتماد على مكانتها التاريخية.
مستقبل “الخضر”: بين الهوية والطموح
تتطلب المرحلة الحالية مراجعة هادئة وجريئة، تعيد الاعتبار للتكوين، وتضع معايير واضحة للانتدابات، وتوفر الاستقرار للعمل الفني، وتعيد بناء فريق قادر على المنافسة وتقديم كرة تليق بتطلعات جماهيره.
في الختام، السؤال المطروح ليس ما إذا كان الرجاء قادراً على الفوز بمباراة أو لقب، بل ما إذا كان لا يزال قادراً على تقديم نفسه بالطريقة التي عرفه بها المغاربة: فريق له شخصية واضحة، ومدرسة تنتج المواهب، وقميص يحمل وعداً بالمتعة قبل النتيجة. وبين الرجاء الذي صنع مجده بالمهارة والفرجة، والرجاء الذي نتابعه اليوم، يبقى السؤال حاضراً: أين اختفت هوية “الخضر”، ومتى تستعيد جماهيرهم “رجاء الفرجة”؟










